محمد حسين هيكل

154

حياة محمد ( ص )

وفي الأثر : « احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا » . لكن محمدا أراد أن يضرب للناس المثل الأعلى في القوة على الحياة قوة لا يتطرق إليها ضعف ؛ ولا يستعبد صاحبها متاع أو مال أو سلطان أو أيّ مما يجعل لغير اللّه عليه سيادة . والإخاء الذي يستند إلى هذه القوة ويكون له من المظهر ما ضرب محمد له المثل الأعلى فيما رأيت ، إخاء محض بالغ غاية الإخلاص والسمو ، إخاء لا تشوبه شائبة ؛ لأن العدل يتضافر فيه مع الرحمة ، ولأن صاحبه لا يرضى أن تحمله عليه إلا إرادته الحرة المطلقة . لكن الإسلام إذ يضع العدل إلى جانب الرحمة يضع العفو إلى جانب العدل ، على أن يكون عفوا عن مقدرة ؛ ليكون مظهر الرحمة صريحا صحيحا ، وليكون القصد منه إلى الإصلاح صادقا . سنّة محمد هذا الأساس الذي وضعه محمد للحضارة الجديدة التي يقيمها يتلخص بصورة واضحة فيما روي عن عليّ بن أبي طالب أنه سأل رسول اللّه عن سنته فقال : « المعرفة رأس مالي ، والعقل أصل ديني ، والحب أساسي ، والشوق مركبي ، وذكر اللّه أنيسي ، والثقة كنزي ، والحزن رفيقي ؛ والعلم سلاحي ، والصبر ردائي ، والرضا غنيمتي ، والفقر فخري ، والزهد حرفتي ، واليقين قوتي ، والصدق شفيعي ، والطاعة حسبي ، والجهاد خلقي ، وقرّة عيني في الصلاة » . بدء مخاوف اليهود تركت تعاليم محمد هذه وترك مثله وقدوته في النفوس أعمق الأثر ؛ حتى لقد أقبل كثيرون على الإسلام ، وازداد المسلمون في المدينة شوكة وقوة . هنالك بدأ اليهود يفكرون من جديد في موقفهم من محمد وأصحابه . لقد عقدوا معه عهدا ، وكانوا يطمعون في أن يضموه إلى صفوفهم وفي أخ يزدادوا به على النصارى منعة وقوة . وهذا هو أقوى من هؤلاء وأولئك جميعا ، وهذه كلمته تزداد ثباتا . بل هاهو ذا يفكر في أمر قريش وإخراجها إياه وإخراجها المهاجرين من مكة ، وفتنتها من استطاعت فتنته من المسلمين عن دينه ، أترى اليهود يتركون دعوته تنتشر وسلطانه الروحي يمتد ؛ مكتفين بالأمن في جواره أمنا يزيد تجارتهم سعة وثروتهم ربحا ؟ لعلهم كانوا يقنعون بهذا لو أنهم أمنوا ألا تمتد دعوته إلى اليهود وألا تفشوا في عامتهم ، على حين تقتضيهم تعاليم ألا يعترفوا بنبي من غير بني إسرائيل . لكن حبرا عالما من كبار أحبارهم وعلمائهم ، هو عبد اللّه بن سلام ، لم يلبث حين اتصل بالنبي أن أسلم ، وأمر أهل بيته فأسلموا معه . وخشي عبد اللّه أن يقول اليهود فيه إذا علموا بإسلامه ، غير ما اعتادوه . فطلب إلى النبي أن يسألهم عنه : ما شأنه ؟ قبل أن يعرف أحد منهم إسلامه . قالوا : سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا . فلما خرج عبد اللّه إليهم وتبينوا ما صنع ودعاهم هو إلى الإسلام ، خافوا عاقبة أمره ، فوقعوا فيه وأذاعوا عنه قالة السوء في أحياء اليهود كلها ؛ وأجمعوا أمرهم على أن يكيدوا لمحمد وينكروا نبوته . وما كان أسرع أن اجتمع إليهم من بقي على الشرك من الأوس والخزرج ومن أسلم منهم نفاقا ، جريا وراء مغنم أو إرضاء لذي عصبة وبأس . حرب الجدل بين محمد واليهود وهنا بدأت حرب جدل بين محمد واليهود أشدّ لددا وأكبر مكرا من حرب الجدل التي كانت بينه وبين قريش بمكة . وفي هذه الحرب اليثربية تعاونت الدسيسة والنفاق والعلم بأخبار السابقين من الأنبياء والمرسلين . أقامتها اليهود جميعا صفوفا متراصة يهاجمون بها محمدا ورسالته وأصحابه المهاجرين والأنصار . دسّوا من أحبارهم من أظهر إسلامه ومن استطاع أن يجلس بين المسلمين يظهر غاية التقوى ، ثم ما لبث الحين بعد الحين